يوسف المرعشلي
777
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
29 رجب 1311 ه . وإجازة بالطريقة الرفاعية من الشيخ محمد أبي الهدى الصيادي بتاريخ 10 ذي القعدة 1305 ه . ولما استقر مقامه في بلدته بدأ دروسه في المساجد العامة ، ثم سعى فأنشأ المدرسة الحميدية بتعاون الأهالي ؛ وهي مدرسة رسمية على غرار الأزهر بلغت غرفها ثلاثين تقريبا ، وحصلت على ترخيص من السلطات العثمانية ، واتخذت نظام الأزهر بعينه في التدريس والمواد والكتب إلا أنها افتقرت إلى الشيوخ ، وأعفي طلابها من الخدمة العسكرية . كان الشيخ هو المدرّس طوال اليوم وهو المقرئ وهو الشارح ، يصلي الصبح ، ثم يقبل على المدرسة ؛ فيبدأ بالقرآن الكريم ، ثم الحديث الشريف ، ثم ينتقل إلى غيرهما حتى ترتفع الشمس فيعود إلى البيت يصيب قليلا من الطعام والراحة ، ثم يعاود حتى الظهر ؛ فيرجع إلى البيت ومنه إلى المدرسة ليبقى فيها حتى أول الليل . . وبقي على هذا خمسة وأربعين عاما . وجاءت الحرب العالمية الأولى ، فاضطرب أمر المدرسة كل الاضطراب ، وتشرّد الطلاب ، وقتل بعضهم وأسر آخرون ، ولكن التدريس فيها لم ينقطع . ثم رجع بعد الحرب منهم قليل حتى بلغوا نيفا وثلاثين طالبا . وقد رتبت الدولة للمترجم راتبا قدره 500 قرش شاميّ . كان الطلّاب في المدرسة على قسمين : قسم خارجي من أهل البلدة يدرسون في النهار ، ويرجعون في الليل إلى بيوتهم ، وقسم داخلي وافد من القرى والنواحي المجاورة ، ينفق المقتدرون على أنفسهم بينما يتولى الشيخ والبررة رعاية المعسرين . ولقد استفادت القرى المجاورة لدير عطية من هذه المدرسة فائدة عظيمة ، إذ نفر إليها شباب تعلّموا فيها ، ثم رجعوا إلى قراهم ، فعلّموا وأفادوا وأنشؤوا المساجد . وبقي الأمر كذلك حتى داهم البلدة سيل عظيم مشهور سنة 1356 ه - 1937 م « 1 » هدم البيوت ، وقتل الكثيرين ، وكانت المدرسة إحدى ضحاياه ، ولكن الشيخ تمكن من إعادة بنائها ، وكان قد جاوز التسعين فعادت إلى سابق عهدها ، وبقيت كذلك حتى آخر حياته ، ثم زالت بموته . له عدة مؤلفات منها : - « الرحلة الأزهرية » . وهي سيرة ذاتية لم تشمل حياته كلها ، بل عرج على النقاط الأساسية في حياته بمصر . - « قرة العيون بتحصيل مبادئ الفنون » . رسالة تتحدث عن العلوم والفنون التي كانت تدرّس في عصره ، وتضع حدا لكل علم ، وتبيّن موضوعه وثمرته وفضله وواضعه ونشأته ، كل ذلك باختصار شديد . - « رسالة في مدح النحو والحث على تحصيله وأول من دونه » . - « أرجوزة في بعض مسائل التوحيد » ، والحث على طلب العلم ، والرد على أهل الطبيعة . - « نظم متن دليل الطالب في الفقه الحنبلي » . - « عقد اللآل في الحكم والأمثال » . هذا إلى جانب شعر ونثر كثير ، وخطب ، ومواعظ ورسائل متفرقة ؛ فمن نثره قوله لابنه يعظه : « أنت ابني ما دمت لأساس العلم تبني ، وجعلته ديدنك وشانك ، والمدرسة بيتك ومكانك ، والمحبرة حليفك ، والكتاب أنيسك ، وأليفك ، والدرس عشيقك ، والرفق رفيقك ، والصلوات الخمس منسكك ، وبر الوالدين مسلكك ، فإن أنت قصرت ، وعما أرشدتك إليه تأخرت ، فلا أنعم اللّه عليك بمطعم ولا لبوس ، ولا ألقاك إلا بوجه عبوس ، وتخرج من الدار طردا حتى تقاسي حرا وبردا ، وظمأ وجوعا ، أو تزمع رجوعا » . ومن نظمه قوله في التوحيد : صفاته تقدّست أسماؤه * وجوده قدمه بقاؤه وكونه مخالفا لخلقه * وقائما سبحانه بنفسه وواحد في العز والجلال * والذات والصّفات والأفعال
--> ( 1 ) كان ذلك في 25 تشرين أول حينما داهم سيل عظيم بلدة دير عطية ، والضمير والنبك وسواهم فقتل المئات وهدم الدور . ( على أطلال الضمير من كتاب قصص من الحياة لعلي الطنطاوي ) .